أخطر توقعات على مستوى العالم لأول مرة

الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

ما هو عصر السحر؟



ما هو السحر؟

في البداية عندما نتكلم عن السحر فوراً نعود إلى الوراء حتى عهد سيدنا سليمان عليه السلام وما حباه الله به من الملك والسيطرة على الجن وسائر المخلوقات وهذا هو الملك الذي طلبه سليمان عليه السلام من الله عز وجل ودعا أنه لا ينبغي لأحد من بعده وأجاب الله له دعوته فأنزل عليه علماً طاهرا مقدساً يستخدمه لتسخير تلك المخلوقات بأمر الله وكلماته.
إذن لم يكن ما أنزل على سيدنا سليمان "ع" سحراً .. لم ينزل الله سحراً إلى الأرض ليتعلمه نبيه أو ليتعلمه الناس .. بل أنزل عليه ما يوازي الكتب السماوية قداسة وطهرا، لذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز "وما كفر سليمان" البقرة 102 وهذه هي الآية كاملة:
"وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) " البقرة.
لو نظرنا إلى تلك الآيات لوجدنا كم لا حصر له من الإجابات ، أيضاً سنجد كم لا حصر له من الاختلافات والاجتهادات الفقهية في ما يتعلق بالسحر والسحرة ، لكن ماذا سيحدث إذا ما قرر الإنسان البسيط الذي نال قدرا كافيا من التعليم أن يتمعن في الآيات وأن يفهم منها ما شاء ليخرج بإجابات مبسطة تفك له عقدة تلك المشكلة الرهيبة التي تؤرق المجتمع اليوم ، وبالمناسبة هذا ليس غريبا أو شاذا لأنه قد ذكر في الأحاديث النبوية الشريفة أن من علامات قيام الساعة انتشار الجن وكثر السحر والدجل والخرافات ، وهذا يعني أن هناك سحر وجن وشياطين حقا وأن هناك أيضا خرافات ودجالين، ولنأخذ جولة منيرة بسيطة بين أسطر تلك الآيات بالإضافة إلى بعضا من فقه الأئمة السابقون الذين كان لهم الفضل في تعليم الناس أمور دينهم ودنياهم ولو لم يكونوا جميعا على صواب فذلك هو المنطق لأن الاختلاف سمة من سمات البشر الأساسية وعلى أساسه وجدت الشورى في الإسلام.
أولا " وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ" بالتأكيد هذه الكلمات معبرة وجليه تماما لأي اختلاف أو سوء فهم ، الله سبحانه وتعالى يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأمور حدثت قبل مولده بآلاف السنين ، هذه الأمور قد حدث بسببها شقاق وردة وخلافات أدت إلى ما كانت عليه الدنيا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فيخبره أنه كان هناك ملك إسمه سليمان وقد أنعم الله عليه بملك لا ينبغي لأحد من بعده وهذا الملك يتعلق بأمور غيبية أنت تعلمها لكن الناس لا يعلمون ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى جبريل عليه السلام ورآى الكثير من الملائكة ورآى الأنبياء السابقون له ورأى أمور أخرى لا نعلمها ، إذن هو يعلم علم اليقين ما يتحدث عنه الله عندما يقول الشياطين أو الجن أو الملائكة.
أما عن ملك سليمان "ع" فما معنى ما تتلو الشيطين على ملك سليمان ، فإذا تصورنا أن ملك سليمان هذا علم قد حباه به الله فما معنى أن تتلو عليه الشياطين شيئاً ، بالطبع المعنى واضح فالشيطان وظيفته إضلال البشر وإغوائهم وعندما يشرع في فعل فهو بدافع إهلاك الإنسان وعندما يتلوا شيئا على مُلك أو عِلم مقدس فهو بالتأكيد يحرفه ويبدله ليصبح ضاراً ومؤذياً للبشر، إذن هناك علم .. وهناك ما تلاه الشيطاين على ذلك العلم .. وبصورة أوضح هناك كلمات أو صفحات علمها الله عز وجل لنبيه سليمان "ع" واستطاعت الشياطين أن تحصل عليه في وقت ما وقامت بزيادة كلمات وأسطر وصفحات بالتأكيد بنفس اللغة فحرفوا الكلمات والأفعال ووضعوا حجر الأساس لما يسمى بالسحر.
"وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ" ، أن سليمان "ع" كان لا يعلم الغيب وكان لا يعلم إلا ما أراد الله له أن يعلمه ، فعندما استطاعت الشياطين الحصول على كتاب الملك والتحريف فيه أشاعوا بين الناس أن ذلك هو ملك وعلم سليمان الذي سخر به المخلوقات وفعل به المعجزات وأنه كان يتحكم في عقول الناس بالسحر ، وبالطبع كانت نفسيات أحبار اليهود ورهبانهم مستعدة ومؤهلة لتلقي مثل هذا النبأ وترويجه والاستعانة بذات الملك (المحرف) للسيطرة على الناس والعالم في تحالف مع الشياطين ، وعندما علم العامة أن هذا هو ملك سليمان "ع" اتهموه بالكفر وتبرؤوا منه وظل الأمر هكذا حتى أخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز أن أخيه سليمان لم يكفر وأن من فعل هم الشياطين ومن اتبعهم من البشر ، وتلك الكلمات البسيطة في حد ذاتها رغم أنها ثلاث كلمات إلا أنها تزلزل كيان اليهود وترعش أبدانهم لإنها إخبار بسر لم يكن يعلمه إلا أحبارهم وقادتهم الدينيين ، وهي دليل ثابت وقوي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
"وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ"، في هذه الكلمات تأكيد وتثبيت للمعلومة السابقة لأنه لو صدق كفر سليمان "ع" لصح أن تكون الشياطين على حق وأن يكونوا هم المؤمنين ، لذلك كان من المنطقي أن يكون هناك نقيض لإيمان سليمان "ع" وهو كفر الشياطين ، فهم الذين استرقوا السمع وهم الذين بحثوا ونبشوا عن ملك سليمان بعد موته وهم من حرف ملكه وهم من ادعى عليه كذبا وهم من علم الناس السحر الذي هو "ملك سليمان "ع" المحرف" فبالتأكيد هم الكفر بعينه.
لكن ما يلفت النظر في تلك الآية أن هناك حُكم إلهي نهائي لا يقبل الطعن وإبلاغ جلي وبين على أن السحر موجود أنه علم يمكن أن يتعلمه الناس وأنه يؤثر في البشر وأن من يعاون البشر فيه ليسوا بشرا مثلهم بالطبع بل هم من الجن والشياطين .. والأهم أنه أثبت أنه يمكن أن تكون هناك علاقة بين البشر وبين الجن أو بين البشر وبين مخلوقات أخرى غيبية لا يراها البشر إلا وفق إرادتهم وبالسبيل الوحيد لذلك ألا وهو تلاوة ما حرف من ملك سليمان "ع" وأنه باقي حتى اليوم بل وأنه يتحكم في العالم اليوم وهذا مقام آخر سنتطرق إليه لاحقاً.
"وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ"، اختلفت الآراء الفقهية في التفاسير المتعددة بين ابن كثير والقرطبي وغيرهم من الأئمة كابن حزم مثلاً ، فمنهم من رأى أن "ما" هنا نافية بمعنى أنا تنفي أنه قد أنزل شيء على الملكين ببابل وهذا رأي يراه ويقره أغلب الأئمة ، وهناك رأي آخر يقول أن "ما" تجزم وتؤكد أن هناك شيء أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.
" وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ "، لكن عند تكملة الآية نجد أن الصيغة بعد ذكر الملكين هاروت وماروت أصبحت مثنى وليست مفردا أو جمعا مما يوحي بأن الكلام على لسان الملكين الاذين يقولا فيما بعد أنهم فتنة "وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر"، وتعود الآية للتحدث عن الجمع والذي هو "الناس" الذين يتعلمون.
إذن علمنا أن هناك طالب وهناك أستاذ، وأن الأستاذ يعلم الطالب علما سيئا وينصحه بأنه لو استخدم هذا العلم فسوف يكون قد فتن وسوف يكفر ، والعجيب أن أي شخص عندما يذهب إلى ساحر حقيقي حتى يتعلم منه أو يطلب منه عمل شيء ما ، يخبره الساحر بأن ذلك خطير وأنه الله سيغضب عليه وأنه سيتعامل مع مخلوقات ربما لن له طاقة بها ، وهذا هو علم الساحر عن نفسه فالساحر يعلم علم اليقين أنه كافر وأن مصيره جهنم وبسئ المصير ، وعندما ينصح الناس فهو لا ينصحهم من باب خوفه عليهم من سخط الله بل من باب تحبيب الأمر اليهم فهو يبث لهم في ذات الوقت رسائل مضمونها أنك ستكون خارقا وتذهل الناس وتؤثر فيهم ولن يغلبك أحد ، وبما أن نفسية هذا الشخص الذاهب لتعلم السحر هي بطبيعة الحال راغبة في الأمر ومتشوقة لهذه القوة العجيبة وإلى إبهار من حوله مما تصبح التضحيه معه بالآخرة والجنة أمر هين وربما يظن البعض أنه سيستطيع التوبة قبل ذلك ، لكني والله ما عرفت ساحراً قد أمهله الله حتى يتوب بل عرفت ساحراً علم كيف سيموت وعاش مرهقاً مكدراً حتى مات كما ذكر تماماً.
"فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ"، هذه الكلمات في منتهى الأهمية لإثباتها أن من يتعلم السحر يصبح قادراً على فعل ما يؤثر في الناس ويجلب عليهم المشاكل لدرجة أنه يفرق بين الزوجين ، وهذا يعني أن السحر بالفعل كان يستخدم مدنياً بصورة قوية فمن ذا الذي سيريد أن يفرق بين رجل وامرأته إلا حاقد أو حاسد وشرير أو مأجور ، وهل هذا سيكون شيطان أم إنسان سيستخدم الشيطان والعكس هو الصحيح.
فما الداعي ليحقد شيطان على رجل وامرأته وما المسبب ليقرر أن يحول ويفرق بينهم بالطبع ليس هناك من داع، لكن لدى البشر ألف داع لفعل ذلك بسبب عدم الرضا والحق والحسد والرغبة في الانتقام أو الرغبة في التشفي في الناس وإيذائهم فهناك من البشر من يؤذي لمجرد الاستمتاع برؤية آثار الأذية على الغير، لكن الأهم من ذلك هو تكملة الآية.
"وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" أي أنه مهما نجح الساحر وشياطينه وجنته ومردته في إيذاء إنسان ما فهذا الإنسان إذا ما صبر ورضى واستعان بالله فنرجوا أن يكون جزاءه الجنة ، لكن يجب أيضا أن ننظر إلى الأسباب التي أدت إلى إيذائه وإلى ابتلائه بمن يؤذيه ويضره وهو لا يعلم ، لأن معظم الناس يؤذون بسبب غفلتهم عن الله سبحانه وتعالى وبسبب إهمالهم في واجبات دينهم وفي أمور تستعدي التحفظ والاحتراز بكلام الله وبذكر الله حتى يحصن الإنسان نفسه من الأيذاء المتعمد أو الغير متعمد ، لكن الإنسان الذي يترك صلاته وقرآنه وصومه ويتسمر أمام التلفاذ أو النت أو واضعاً سماعات في أذنه يسمع الأغاني لا يلوم إلا نفسه عندما تتخبطه الشياطين بالمس لأنه أصبح ممراً سهلاً ومباحاً لها وأصبح من اليسير عليها أن تؤثر فيه وتؤذيه عندما تؤمر بأمر الساحر أو عندما يؤذيها الإنسان غير متعمد لأنه في قانون تلك المخلوقات أنهم لا يضرون بني البشر إلا بفعل العزائم والطلاسم أي السحر وإما بقصد القصاص أي الانتقام ورد الأذى، وكل ذلك لا يحدث إلا بإذن الله الخالق القوي الذي خلق الكون بمن فيه، أما عن تكملة الآية فهي الأهم والأهم والأخطر.
"وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ"، هذه الكلمات تعني أن البشر يتعلمون من الشياطين ليس فقط ما يفرقون به بين المرء وزوجه لكن هناك أشياء أخرى لم تذكر في الآية أو في القرآن لأنه طالما ثبت أن تلك المخلوقات تؤثر فينا وتستطيع التعامل معنا وتعليمنا وخدمتنا وأنهم قادرون على التفريق بين المرء وزوجه فلا داعي لذكر قائمة بما علمه الشياطين للناس ويكفي أن نعلم بإمكانية حدوث ذلك ، وأن من يقول بأنه ليس هناك سحر أو جن أو مس عليه أن يراجع نفسه ويقر بالعكس إلا إذا كان لا يعترف بالقرآن من الأساس وهؤلاء لن يفيد معهم كلام أو علام.
"وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ"، في النهاية يخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن هناك من يسعون إلى ذلك العلم ويرغبون فيه بشدة لدرجة أنهم ينفقون الغالي والنفيث في سبيل تعلمه ، والعجيب بالفعل أن من عرف ساحراً يعرف تماماً كيف ينفق هذا الساحر على سحره وما يشتريه من أدوات لزوم إنجاز السحر أو العمل ومنها أشياء ما زالت إلى اليوم متداولة ومطلوبة بشدة كـ"الزيبق الأحمر" مثلاً الذي يستخدم في فك طلاسم السحر على المقابر الفرعونية القديمة لكثافته ولطافته ، أيضا "الطأش المغربي" وهو كوكتيل من البخورات المخصوصة لجلب الجان واستحضارهم أو استنزالهم، والعديد من الأدوات والمواد يشتريها الساحر بأثمان باهظة ، لكن هناك من اشتروا السحر من أجل السيطرة على العالم وتسخيره وتحضيره للنهاية التي يرونها من وجهة أنظارهم إلا أن الله العليم الحفيظ قد نجانا من كيد هؤلاء وأخبرنا بما فعلوا وبما يفعلوا وبما سيفعلوا في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فعلمنا أن في النهاية الغلبة ستكون للحق وأن السحرة وأتباعهم من الجن والشياطين والمخلط منهم "الدجال" سينتهون إلى الجحيم وإلى سخط الله وعضبه وعذابه وناره التي وعدهم بها فإنه لا يفلح الساحر حيث أتى.

 القادم: من كم علم يتكون علم السحر؟

 بقلم 
قيصر كوبا





ليست هناك تعليقات: